مجد الدين ابن الأثير
329
المختار من مناقب الأخيار
كلّ علاقة ، واجعل شغله بك دون خلقك . فسلّمت عليه وسألته أن يدعو لي . فقال : خفّف اللّه عنك مؤن نصب السّير إليه ، وأدّاك إلى رضاه حتى لا يكون بينك وبينه علاقة . ثم سعى من بين يدي كالهارب من السّبع « 1 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال خليل المقدسي : رأيت في جبال بيت المقدس رجلا في واد ، قد اتّشح بعباءة ، وهو يقول : إلى متى هذا يكون ؟ فقلت له : من تعاتب ؟ فقال : تنحّ عنّي ، فما أوحشك ! ما رأيت في هذا الوادي منذ ثلاثين سنة جنّيّا ولا إنسيّا . قلت : فيمن تأنس ؟ قال : بمن يطعمني ويسقيني ، وبمن إذا مرضت يشفيني ، وبمن إذا توكّلت عليه يكفيني . قلت : فكيف تعمل في الشّتاء ؟ فقال : يا حبيبي ، إنّ الزّمان يتغيّر ، وهو في الشتاء كما هو في الصيف ، وهو في الصيف كما هو في الشتاء . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال سريّ : بينا أنا أسير في بلاد الشام ، إذ ملنا عن الطريق إلى ناحية جبل عليه عابد ، فجئنا إليه ، فوجدناه يبكي . قال سريّ : فقلت له : ما أبكى العابد ؟ قال : مالي لا أبكي وقد توعّرت الطريق ، وقلّ السالكون فيها ، وهجرت الأعمال ، وقلّ الراغبون فيها ، ورفض الحقّ ، ودرس هذا الأمر ، فلا أراه إلّا في لسان كلّ بطّال ينطق بالحكمة ، ويفارق الأعمال ، قد افترش الرّخص ، وتمهّد التأويل ، واعتلّ بزلل العاصين . ثم صاح صيحة ، وقال :
--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 360 ، وما بين معقوفين مستدرك منه .